وداعا سليمان منصور   رحل الرسام...  وبقي الحمل !

 

لم تكن فلسطين ولن تكون موضوعا سهلا  للفن

لأنها جرح  مفتوح ينزف!  وعلى حواف هذا الجرح وقف سليمان منصور  ورسم .كان يكفي أن يرسم زيتونة، أن يرسم امرأة بثوبها الفلسطيني، أن يرسم بيتا وحجرا... حتى يحمي الذاكرة الفلسطينية من الاستيلاء ومحاولات المحو والطمس. وحين رسم عام 1973 لوحته الشهيرة "جمل المحامل"، لم يكن يتوقع  أنّ ذلك الرجل المنحني  الظهر تحت عبء حمله  الثقيل سيصبح بعد عقود صورة تختصر ملحمة شعب بأكمله.

بعد أكثر من نصف قرن  من الرسم  ونقل الوجع  إلى فضاء اللوحة، رحل مساء يوم 24  أوت 2026  الفنان التشكيلي الفلسطيني سليمان منصور عن  عمر ناهز 79 عاما، وبعد عمر من الفن وحراسة الذاكرة .

من طين الأرض إلى خلود اللوحة

قد لا يحفظ  البعض اسم سليمان منصور لكنهم  يعرفون  لوحته الأشهر "جمل المحامل" وهي التي اختصرت معاناة شعب واختزلت ملحمة  فلسطين. يتجاوز  سليمان منصور توصيفه بقامة  تشكيلية صاغت الوجدان الفلسطيني، ليجمع بين أثر من وصف وصفة.  فهو حكواتي بكتلة اللون، وشاعر بلغة الفرشاة ، وحارس للذاكرة، وموثق للتاريخ وللموروث...

شب  منصور في جبال القدس ورام الله، محمّلاً بشغف بصرِي استوى في أكاديمية "بتسلئيل"، غير أن بوصلته لم تضلّ الطريق، فسرعان ما أدرك أن التقنيات الغربية بلا روح أو معنى إن لم تترجم المعاناة اليومية.

في السبيعينيات أسس مع رفاق دربه "رابطة الفنانين التشكيليين"، مراهنا على الفن كفعل مقاومة يومي يُعيد صياغة الهوية الفلسطينية بعيدا عن الشعاراتية المباشرة.

عند الانتفاضة الأولى (1987)، قاد منصور مع مجموعة "نحو التجريب والتجديد" عصيانا فنيا جذريا عبر مقاطعة أدوات الرسم الإسرائيلية. وقد نتج  عن هذا الموقف السياسي تحولات فلسفية منحى الفنون التشكيلية حيث تم  ترك الألوان الزيتية المعقّمة واللجوء  إلى خامات البيئة على غرار الطين  والجير والحناء والخيش...

الريشة التي حملت فلسطين على ظهرها

تتجاوز لوحات منصور كونها مساحات بصرية لتبدو  وكأنها صلوات دافئة تتنفس إنسانية وشاعريّة.  ففي لوحته الشهيرة  جمل المحامل ، قد  تخفي  صورة "الحمّال" الذي يترنح تحت ثقل القدس ملامح  مأساة ملحمية  إغريقية لكن بنكهة مقدسيّة. في هذه اللوحة، تتجلى إنسانية سليمان منصور في إبراز شرايين القدمين المتوترة وحزن العينين الصامت الذي يعكس  كبرياء شعب مناضل يحمل مدينته كقدر ومصير.

وفي لوحاته حول تيمة  "المرأة والشجرة" تظهر المرأة الفلسطينية بتطريزها الملوّن كعروسٍ وحارسة للدار، بينما تبدو شجرة الزيتون بعروقها الملتوية ككائن حي يعيش حالة حوار وأخوة مع الإنسان الفلسطيني.

رحل  سليمان منصور الذي كان  شاهدا على الذاكرة ومؤرخا لها، بعد أن صاغ من طين الأرض ملحمة بقاء، واستطاع بلمسته الإنسانية الشاعرية أن يحول الألم اليومي إلى أسطورة بصرية خالدة، تحرس القدس وتمنح الذاكرة أجنحة لا تُكسر.. ولن تكسر !

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115